ابن كثير
528
طبقات الشافعية
يضمّ إليها غيرها ، فأتمّها خمسين مقامة ، وإلى الوزير أشار الحريري بقوله : فأشار من إشارته حكم وطاعته غنم . وأمّا تسمية الرّاوي بالحارث بن همام ، فإنّما عنى به نفسه ، أخذه من قوله عليه السّلام : « كلّكم حارث وكلّكم همام » . فالحارث الكاسب ، والهمام الكثير الاهتمام ، لأنّ كلّ أحد كاسب ومهتمّ بأموره . وذكر التّاج المسعودي عن أبي بكر بن النّقور أنّه سمع أبا القاسم الحريري يقول ورأيت فصاحته وبلاغته وحسن إيراده ، أسر الرّوم بعض أولاده ، أمسيت تلك اللّيلة فذكرت ما سمعت منه لبعض أصحابي ، فذكروا أنّه يأتي إلى المساجد متنكّرا في هيئات شتّى ، ويذكر أحوالا وقصصا متنوّعة ، وتعجّبوا من جريانه في ميدانه وتصرّفه في تلوّنه وإحسانه ، فأنشأت المقامة الحراميّة ثمّ بنيت عليها سائر المقامات . وقال القاضي شمس الدّين ابن خلّكان « 43 » : وجدت في عدّة تواريخ أنّ الحريري صنّف المقامات بإشارة أنوشروان ، إلى أن رأيت بالقاهرة سنة ستّ وسبعين ، يعني وستّمائة نسخة مقامات كلّها بخطّ مصنّفها ، وقد كتب بخطّه أيضا أنّه صنّفها للوزير جلال الدّين عميد الدّولة ( أبي الحسن علي بن صدقة ) « 44 » وزير المسترشد ، قال : ولا شكّ في أنّ هذا أصحّ لأنّه بخطّ المصنّف . وتوفّي الوزير المذكور في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة . قال : وذكر الوزير جمال الدّين علي بن يوسف الشّيباني القفطي في تاريخ النّحاة « 45 » ، أنّ أبا زيد السّروجي اسمه المطهّر بن سلار ، وكان بصريّا لغويّا ، صحب الحريري وتخرّج به . قال القاضي ابن خلّكان : ورأيت في بعض المجاميع أنّ الحريري صنّف المقامات أربعين مقامة ، وحملها إلى بغداد ، فاتّهمه جماعة من فضلاء بغداد وقالوا : هي لرجل مغربيّ مات بالبصرة ووقعت أوراقه إلى الحريري فظفر بها فادّعاها ، فسأله الوزير عن صناعته فقال : أنا رجل منشئ ، فاقترح عليه إنشاء رسالة
--> ( 43 ) وفيات 4 / 63 . ( 44 ) في - ب - أبي علي الحسن بن علي بن صدقة ، وكذلك في ج ، ود . ( 45 ) إنباه الرّواة 3 / 276 .